مقدمة
بعد أن تعرفنا على المعادلات التفاضلية من الناحية النظرية، ننتقل الآن إلى أمثلة حقيقية من الطبيعة والعلوم تبين لنا سبب أهمية هذه المعادلات وكيف أنها تصف ظواهر نراها في حياتنا اليومية. هذه الأمثلة ستعطينا دافعًا قويًا لدراسة المعادلات التفاضلية وفهم كيفية استخدامها في النمذجة والتنبؤ.
تخيل أن لديك مجموعة من البكتيريا في بيئة مناسبة للنمو. نريد أن نعرف كيف يتغير عدد البكتيريا مع مرور الزمن.
لاحظ العلماء أن معدل نمو السكان (أي عدد الأفراد الجدد في كل وحدة زمن) يتناسب مع عدد السكان الحالي. كلما زاد عدد السكان، زاد معدل النمو.
إذا كانيمثل عدد السكان في الزمن
، فإن معدل التغير يُكتب:
حيثهو ثابت النمو. هذه معادلة تفاضلية بسيطة تصف نموًا أسيًا.
هذا النموذج يساعد في التنبؤ بعدد السكان في المستقبل، وتخطيط الموارد، وفهم ديناميكيات النمو. كما يمكن تعديله ليشمل عوامل أخرى مثل الحد الأقصى للسعة الاستيعابية للبيئة.
في الفيزياء النووية، تتحلل المواد المشعة تلقائيًا. نريد معرفة مقدار المادة المتبقية بعد فترة زمنية معينة.
اكتشف العلماء أن معدل الاضمحلال (أي معدل انخفاض كمية المادة المشعة) يتناسب مع كمية المادة الموجودة حاليًا.
إذا كانيمثل كمية المادة المشعة في الزمن
، فإن:
حيثهو ثابت الاضمحلال. الإشارة السالبة تعني أن الكمية تتناقص.
هذا النموذج ضروري في تحديد عمر المواد القديمة (مثل الكربون المشع)، وفي الطب النووي، وفي إدارة النفايات المشعة.
كوب من القهوة الساخنة يبرد تدريجيًا. كيف يمكننا وصف تغير درجة حرارته مع الزمن؟
اكتشف نيوتن أن معدل فقدان الحرارة يتناسب مع الفرق بين درجة حرارة الجسم ودرجة حرارة الوسط المحيط.
إذا كاندرجة حرارة الجسم في الزمن
، و
درجة حرارة الوسط المحيط، فإن:
حيثهو ثابت التبريد.
هذا النموذج يستخدم في تصميم أنظمة التبريد والتدفئة، وفي الطب الشرعي لتقدير وقت الوفاة، وفي هندسة المواد.
جسم معلق بنابض يتحرك لأعلى ولأسفل. ما هي معادلة الحركة التي تصف موضعه؟
وفقًا لقانون هوك وقانون نيوتن الثاني، فإن القوة المؤثرة على الجسم تتناسب مع الإزاحة عن موضع التوازن، وتعمل في اتجاه معاكس لها.
إذا كانيمثل إزاحة الجسم عن موضع التوازن في الزمن
، فإن:
أو بصيغة مبسطة:
حيثهو التردد الزاوي.
وتمثل الكتلة و
تمثل الصلابة.
هذا النموذج أساسي في فهم أنظمة الاهتزازات والموجات، وفي تصميم الجسور والمباني المقاومة للزلازل، وفي هندسة الصوت والضوء.
في دائرة كهربائية تحتوي على مقاومة ومكثف، كيف يتغير التيار والجهد مع الزمن؟
وفقًا لقوانين كيرشوف، فإن العلاقة بين الجهد والتيار في المكثف تُعطى بمعدل التغير.
في دائرة مقاومة-مكثف، إذا كانهو الشحنة على المكثف، فإن:
حيثهي المقاومة،
هي السعة، و
هو الجهد المطبق.
هذا النموذج أساسي في تصميم الدوائر الإلكترونية، وفلاتر الإشارات، وأنظمة التحكم الآلي.
جسم يسقط من ارتفاع معين في الهواء. كيف تتغير سرعته مع الزمن عندما نأخذ مقاومة الهواء في الاعتبار؟
قوة مقاومة الهواء تتناسب عادةً مع مربع السرعة (أو مع السرعة في بعض الحالات)، وتعمل في اتجاه معاكس للحركة.
إذا كانهو سرعة الجسم في الزمن
، فإن:
حيثهي الكتلة،
هي تسارع الجاذبية، و
هو ثابت مقاومة الهواء.
هذا النموذج مهم في تصميم الطائرات والمركبات، وفي فهم حركة الأجسام الساقطة، وفي رياضات القفز بالمظلة.
في نظام بيئي، نريد فهم التفاعل بين نوعين: أحدهما مفترس والآخر فريسة. كيف يتغير عدد كل نوع مع الزمن؟
هذا نظام معقد حيث يعتمد معدل نمو الفريسة على عدد المفترسات (كلما زاد المفترسون، قل نمو الفريسة)، ويعتمد معدل نمو المفترسات على عدد الفرائس (كلما زادت الفرائس، زاد نمو المفترسين).
إذا كانعدد الفريسة و
عدد المفترس، فإن:
حيثثوابت موجبة. هذا نظام من المعادلات التفاضلية.
هذا النموذج (المعروف بنموذج لوتكا-فولتيرا) يساعد في فهم ديناميكيات الأنظمة البيئية، وإدارة الموارد الطبيعية، وحفظ الأنواع المهددة بالانقراض.
نلاحظ من كل هذه الأمثلة، على اختلاف مجالاتها—من النمو الحيوي والاضمحلال الإشعاعي إلى التبريد والاهتزاز والدوائر الكهربائية والأنظمة البيئية—أن القاسم المشترك بينها هو أن التغير لا يعتمد على الزمن وحده، بل يعتمد على حالة النظام نفسها: مقدار السكان يحدد معدل نموهم، وكمية المادة المشعة تحدد سرعة اضمحلالها، ودرجة حرارة الجسم تحدد معدل تبريده، والسرعة تحدد مقدار مقاومة الهواء، وهكذا. هذا الارتباط بين معدل التغير و القيمة الحالية هو ما يجعل المعادلات التفاضلية الأداة الطبيعية الوحيدة القادرة على نمذجة مثل هذه الظواهر.
فالمعادلة التفاضلية تصف كيف يتطور النظام لحظة بلحظة وفقًا لحالته الحالية، سواء كان ذلك موضعًا أو سرعة أو شحنة أو عددًا أو تركيزًا. لذلك تُعدّ المعادلات التفاضلية حجر الأساس في تحويل الظواهر الفيزيائية والبيولوجية والهندسية إلى نماذج رياضية يمكن تحليلها والتنبؤ بسلوكها، وهو ما يجعلها من أهم الأدوات العملية في العلوم والتطبيقات الحديثة.